إنها إحدى المرات الكثيرة التي يجد فيها صعوبة في ارتداء ملابسه ... وهذه المرة ككل مرة أصيب بجرح في ذراعه اليسرى, وسيدخلها عبر كم السترة رغم الألم اللحوح ... فهو لا يملك أن يدلل نفسه بالوقوف عنده. حتى أنه يسخر من خلايا دماغه حين ترسل إشارات عصبية لتهز منطقة الشعور عنده بتيار يسري في كل جسده ... فالتدريبات القاسية التي كانت كل ما عرفه من طفولته علمته أن الشعور بالألم في حد ذاته ... مجرد رفاهية لا تليق بالجندي "الكامل".
وفجأة انتبه لنظراتها القلقة ... لقد رأت الدماء على ذراعه بعد حادثة الاصطدام ... وهرعت إليه لتضمد جرحه كما فعلت أول مرة حين هم بقتلها. وها هي هذه المرة تؤرخ للجرح الثالث بينهما.
غريب ... كل الندوب التي في جسده كانت بلا ذاكرة وبلا تاريخ ... لأن صاحبها كان فتى آيلا للموت ... مجرد غرض مدة صلاحيته محدودة. لكن بصمتها على جراحه الأخيرة صنعت له هوية وتاريخا ... وذاكرة.
ليتك تدركين ما فعلت بي ... قبلك كان الغد دائما بالنسبة لي هو اليوم الذي سأموت فيه, وكان كل يوم جديد في حياتي هو الأخير ... وكنت أمهل الزمان قبل أن يمهلني. لكن مجيئك إلى عالمي أنبت زهرات جميلة في مساحاته الموحشة.
أغمض عينيه وهو يستمتع بهذا الشعور اللذيذ والجديد في حياته التي لم تكن حياة. لكنه سرعان ما فتحهما خشية أن تظن انه فعل ذلك لأنه يتألم ... لا يريدها أن تقلق عليه ... لا يريدها حتى أن تهتم به ... لا يريدها أن تتعلق برجل ميت.
- هل تنوي أن تموت؟
فاجأته بسؤالها, لكنه اجتهد كي يخفي استغرابه الذي بدا في جحوظ عينيه ... هل كانت تقرأ أفكاره؟ قال في هدوء وهو ينظر إلى الكاندام, فقط ليتجنب نظراتها:
- أنوي أن أفعل الصواب.
- وما هو الصواب هذه المرة؟ قالتها بحدة وعقدت ذراعيها على صدرها.
استدار موليا ظهره إليها كي لا ترى الابتسامة التي كادت ترتسم على شفتيه ...
- تعلمين أنه علي أن أوقف هذه الحرب الغبية ... أليست هذه رغبتك؟
أسرعت لتقف أمامه ...
- وهل ستعود إلي؟
أجفلها ما قالته برهة, وطأطأت رأسها, فهي لم تكد تفكر فيه حتى خرج من بين شفتيها. لكنها قالت:
- هذه أيضا رغبتي.
وضع يده أسفل ذقنها, ليرفع رأسها, ونظر في عينيها قائلا:
- منذ مدة أدركت أنه لن يكون في قائمة مهماتي الخاصة غير رغباتك ...
فجأة انبعث صوت صفارات الإنذار التي كانت قد همدت فترة بعد الاصطدام ... هناك خطب ما ...
- لنسرع ... ليس هناك وقت ...
