عيناه كانتا في الظلام, ذاك السواد الحالك الذي يحيط بكل شيء, ويحتل العالم من حوله, فيسيطر على إرادته ... إنها الغيبوبة ... ذلك النفق الذي قربه من الموت مرارا دون أن يفضي به إليه مرة واحدة, لكنه لم يكن يأبه البتة ... لم يكن يأبه إن كانت محطته تلك ستقوده إلى الموت أو ستعيده إلى حياة احترف فيها لعبة الموت ...
"هيرو"-
صوتها الدافئ الذي يشبه النور, زاره هذه المرة في ظلمته.
ونبرتها القلقة هزت أسوار غربته.
كيف يمكن لشخص واحد فقط أن يتحول إلى وطن, بكل ما تحمله هذه الكلمة من شوق وانتماء وحنين؟... كي ينتشله من حياة أشبه بالعدم ... إلى حياة فيها ماء وتراب وعطر ليلكي.
ما أغرب حيرتها التي وصلته من رعشة أناملها على يده التي لا يكاد يراها! لطالما كان قلقها عليه شيئا جديدا لم يختبره من قبل. لم يسبق له أن اختبر من قبل الإحساس باهتمام الآخرين به, اهتمام يحمل في أعماقه إشراقة الحياة.
"أودين لوي" الذي رباه لم يكن يهتم إلا لآلة القتل التي صنعها بيديه من طفل انفصل عن ماضيه, وانفصل عنه حاضره, ثم مشى في طريق كلها دماء وعذاب. فمن تراه سيهتم لفتى يداه منغمستان في بركة دم لا قرار لها؟ فتى لا قدر له سوى أن يغرق في تلك البركة التي صنعها بنفسه, دون أن يأسف أحد عليه.
وحتى حين اهتمت لأمره تلك الفتاة الصغيرة, لحقت بها لعنته, ودفعت ثمن نظرة أمل استرقتها له. ومن حينها, أدرك أنه لا يستحق أن يقترب منه أحد, وأن على الجميع أن يفروا منه ومن لعنته ... قانون سنه لنفسه, وحرص على ألا يخرقه.
لكنها هي ... اقتحمت حياته بنظراتها الخالية من الخوف ... نظرات اخترقت بها سواد الليل والشك في عينيه ... غير آبهة لفوهة مسدسه المصوبة إلى رأسها ...
رلينا ... مهمة واحدة مستحيلة ... غيرت حياته ... وخلطت أوراق الجندي الكامل ...
ليس عليه أن يقتل بعد الآن ... ليس عليه أن يقاتل ... لكنه سيظل وفيا لوعده لها في سفينة الميزان, أن يحميها ...
"سأهزم زيكس, ثم سأهزم تريز. حينها ستنتهي الحرب. بعدها, إن كتبت لك الحياة, سيعم السلام. هذا كل ما أستطيع فعله لأجلك, وعدتك أن احميك. ولكن كي أحميك أنت وكوكب الأرض لا خيار لدي إلا أن أقاتل ... فدعيني أقاتل ... ثقي بي ..."
فتح عينيه للحياة من جديد, فلديه مهمة يجب أن يعيش لأجلها ... "رلينا"
مدهش كيف استطاع صوته أن يلفظ اسمها من حنجرته المثقلة! كأنه كلمة سر أو شيفرة تحرك أجهزته كلها ...
أشرق وجهها الذي أنهكته الدموع بابتسامة ضعيفة ... استيقظ أخيرا, بعد أسابيع من المعاناة ...
"هيرو! حمدا لله على سلامتك!"
"كنتِ هنا طوال الوقت ..."
لم يكن سؤالا ... فهو يعلم يقينا أن صوتها هو من أعاده إلى الحياة ...
"وسأبقى ... إذا لم يكن لديك مانع ..."
قالت ذلك وهي مطرقة في تردد ... لم يجبها ... لكن يده امتدت إلى يدها القريبة وضغطت عليها ... الجواب الوحيد الذي لا يحتاج فيه إلى الكلمات الصاخبة ...
أجل ... يريدها أن تبقى إلى جانبه ... فقد تعب من فراره الدائم ...
يعلم أن حاجته إليها كحاجته إلى وطن ... كحاجته إلى السكينة ...
آن لقلبها أن يرتاح من مطاردته في كل الدروب ...
يعلم أن حاجتها إليه هي حاجة إلى اعتراف لطالما أنكره ... رغم أنه لا يزال حبيس جوانحه ...
يعلم أن صمته سيحطم قلبه قبل أن يحطم قلبها هي ... وحفاظا على وعده إياها, عليه أن يحميها من كل أذى, فضلا عن أن يكون هو الأذى نفسه ...
شعر برعشة يدها التي في يده ... أجفلته من سهوه مع نفسه ... ورأى دمعة تتسلل خلسة من بين جفنيها المطبقين ... يؤلمه أن يراها تبكي ... ويؤلمه أكثر أن يكون السبب في بكائها ...
"رلينا ...!"
فتحت عينيها, ومسحت بيدها الحرة دمعة أخرى كانت تحبسها عنه ...
"أنا آسفة ..."
"آسفة؟"
التفتت إليه وراعتها مسحة الغضب التي علت نظراته إليها.
"ريلينا ... لماذا تلومين نفسك في كل مرة؟ ... لماذا تحملين نفسك مسؤولية أخطاء الآخرين؟ لماذا تعتذرين على دموع كنت أنا السبب في أنك ذرفتها؟"
أطرقت هنيهة ثم قالت بصوت حرج:
"لا ... الأمر ليس كذلك ... إنما هي دموع ضعف لا أريدك أن تراها ... أتدري ؟ رغم أنني أنثى إلا أنني أكره ضعفي أمامك أنت بالذات ..."
قطب حاجبيه باستغراب ثم همس ساخرا:
"انظروا من يتحدث عن الضعف؟ "الأنثى" التي وقفت في وجه أوز ورومفيلر والمخلب الأبيض!"
تنهدت بعمق ... ثم نظرت إلى عينيه الليليتين وقالت:
"وهل كنت لأفعل كل ذلك لولا ظهورك في حياتي؟ ... هيرو ..."
لم تتمكن من إكمال جملتها، لأن سبابته كانت على شفتيها ... نظر إليها مليا ثم قال:
"ريلينا ... لست بارعا في الخطاب مثلك ... لا أحسن الكلام ولا التعبير عن نفسي ... لكنني أعتقد أنني أحسن الفعل ما استطعت ... وسأعمل جهدي كي تنجح مهمتي التالية ..."
وقبل أن تقاطعه قال وهو يدس خصلة من شعرها خلف أذنها: مهمتي التالية هي أنتِ ...
