]الثــــــــمـــــــن[
وقعت عيناي على كوخ خشبي صغير ظهر امامي مباشرة وكأنه خرج
إليّ من العدم .. تعجبت من قدرته على الصمود وسط تلك العواصف
كان علي ان أتخذ قراري بسرعة .. إما ان اواصل الطريق و أجازف
بحياتي أو أن آوي الى ذلك الكوخ وانتظر ريثما تهدأ العاصفة ..
إتخذ عقلي قراره و قادتني قدماي بإتجاه الكوخ الخشبي
كنت أتمنى في قرارة نفسي ان لا يوجد به أحد و أتمكن
من حماية نفسي فيه لبعض الوقت ..
فتحت بابه بصعوبة لانه الثلوج قد تراكمت أمامه ، دخلت إلى
الداخل و أنا أحكم إغلاق الباب ثم جلت بنظري متفحصة المكان،
كان لحسن حظي خالياً ولا يوجد به سوى بعض الاخشاب العتيقة
و مدفأة لم تستعمل منذ زمن بعيد .. كانت النوافذ تظهر بوضوح
إستمرار العاصفة في الخارج .. مشيت للأمام و كان الغبار
الكثيف الذي غطى الأرضية الخشبية يتصاعد في كل إتجاه..
جلست القرفصاء في وسط الكوخ و ضممت يدي حول جسدي..
كنت مرهقة جداً .. تمنيت بندم لو أنني لم آت إلى الرحلة المدرسية
و خرجت برفقه أبي .. لكن الوقت فات على الندم ، أنزلت
رأسي بهدوء فوق الارض الخشبية و أغمضت عيني بوهن .
لم أدري كم مضى من الوقت و أنا نائمة .. حين إستيقظت
مجدداً لم أستطع أن ارى شيئاً حولي بسبب الظلام المخيف ..
يا إلهي ! هل حل المساء ؟ حافلة المدرسة ستغادر في الساعة
الرابعة عصراً و بالإستناد إلى ظلمة المكان لابد أن الوقت قد
تأخر كثيراً .. هل غادروا من دوني ؟ هل سأبقى تائهة في الجبل
الى الابد ..
نهضت واقفة وانا احاول ان ابقي على توازني .. أستغربت من
الهدوء الغريب الذي يلف المكان.. اصغيت لبعض الوقت .. لم يعد بإمكاني سماع صوت
الرياح وهي تصفر في الخارج .. خمنت بأن العاصفة قد هدأت أخيراً
قررت ان أغادر الكوخ و أعود إلى منتجع الجبل ، لا بد أن الموظفين لازالوا هناك
يمكنني الإتصال بأبي و طمأنته على الاقل .. سرتُ وانا امد ذراعي للأمام
لكي أتحسس مكان الباب .. لم أمر في حياتي بموقف كهذا .. واصلت
السير و أنا أحس بشعور غريب .. منذ متى والكوخ واسع إلى هذا الحد ؟
عندما دخلته إستغرق وصولي إلى منتصفه خمس خطوات فقط ..
لقد مشيت ما يقارب المترين و لم أعثر على الباب ..
إمتلأت نفسي بالخوف حين ركضت في تلك الظلمة ولم أصطدم بأي
جدار بل انني لم اعد أشعر انني في الكوخ .. كنت أسير في الفراغ
فراغ مظلم لا نهاية له .. هل كنت أحلم ؟ إن كان الأمر كذلك فأرجوا
أن أستيقظ بسرعة ، لم أعد أطيق البقاء في الا مكان ، أريد العودة
إلى البيت .. تمنيت بصدق أن أعود إلى بيتنا الممل .. شعرت بحلقي
يؤلمني و كأنني على وشك البكاء .. أطلقت صرخة إستغاثة يائسة حزينة :
- فاليساعدني أحد !
شعرت فجأة بتحرك الهواء من حولي ، لم يكن بارداً كما كان
في العاصفة الثلجية ، بل كان هواءاً لطيفاً حرك خصلات شعري
للخلف .. دهشت لأنني تمكنت الآن من ان أرى يداي و بقية أطرافي
كان المكان حولي لا يزال أسود اللون و لكن حين نظرت للأسفل
بدت لي الأرض بيضاء متوهجة .. و كأن ما حولي هو سماء مظلمة
و أرض مضيئة لا نهاية لها ..
أسئلة كثيرة كانت تتقافز في ذهني ممزوجة بالخوف والقلق الذي كنت أشعر به
أين أنا ؟ .. مالذي حدث لي ؟؟ و ما هذا المكان ؟
وصل الى مسامعي صوت خافت لم أستطع تحديد
إتجاهه ، أصغيت للسؤال الذي أتاني من الفراغ :
- هــــــل ناديتني ؟
تلفتُ حولي باحثة عن مصدر الصوت ثم تحدثتُ بتعلثم :
- مــ ... من هناك ؟
تحدث مجدداً و هذه المرة بدا الصوتُ واضحاً أكثر .. كان صوتاً
مخملياً ناعماً و تحمل كلماته غموضاً لا حدود له :
- ماذا تريدين مني أن أكون ؟
رمشت بتعجب و أنا أحاول ان افهم ذلك السؤال .. ثم رأيتُ
ريشاً أسوداً يهبط بهدوء نحو الأرضية البيضاء حتى ملأها
غاب عني ذلك الصوت الغامض لبعض الوقت .. ربما كان
ينتظر جواباً مني .. لكنني لم أفهم السؤال حتى أجاوب عليه
صرخت بغضب لأن صبري بدا بالنفاد ولم أعد أطيق البقاء
في ذلك المكان مدة أطول :
- لا يهمني من تكون ! ان كنت تستطيع إخراجي من هنا.. فأفعل !
عاد ذلك الهواء اللطيف ليحيط بي و يحرك الريش الساكن
على الأرض من حولي .. جاءني الرد أخيراً .. كان الصوت يحمل أثراً طفيفاً
للإستمتاع الخبيث :
- إذن فأنتِ تريدين خدماتي ؟ سأنفذ رغبتك إن قبلتِ بالعقد ...
لم أستمع للجملة جيداً حينها ... قلت بسرعة وبلهفة و كأنني أرى
قارب النجاة يدنو مني :
- أقبل بأي شي ... فقط أخرجني !
- لكِ هذا ..
تنهدت بعمق و نزلت جالسة على الارض فلم أعد أستطيع الوقوف
كنت لا أزال أشعر بالإعياء .. سمعت صوت خطوات تقترب من الأمام..
نظرت لعلي أتمكن من رؤية محدثي الغامض .. كنت أشاهد خيال شخص
لكن الملامح لم تتضح بعد .. رحت أحبس أنفاسي و انا بإنتظار القادم المجهول
وأخيراً تمكنت من مشاهدته .. أطلقت شهقة صغيرة رغماً عني .. كان
يسير بإتجاهي و خُيل إليّ ان الريش الاسود يتساقط منه .. كان يرتدي
السواد .. لم أدري حقاً مالذي كنتُ اتوقع مشاهدته لكنني لم أتوقع أبداً
أن يكون على هذه الهيئة .. كان أجمل من أن يكون حقيقياً .. لم أرَ شخصاً
بمثل بهاءه من قبل .. إقترب الكائن الخيالي مني و جثى على الأرض
إحتراماً لي وقال بوقار :
- أنتِ سيدتي منذ هذه اللحظة ..
فتحت فمي دهشة ثم رفع عينه لينظر بإتجاهي .. رأيت عينيه الحمراوين
تتوهجان .. بريق ساحر جعلني أجفل لبعض الوقت ...
- مر زمن طويل على آخر مرة إستدعاني فيها مخلوق بشري ...
مخلوق بشري ؟؟ أليس بشرياً ؟ يبدوا لي من البشر
أدهشتني هذه الجملة فسألته بفضول :
- مالذي تعنيه ؟ أي شيء أنت ؟
- أنا مجرد آكما وسأكون خادمكِ .
لا بد و أنني أحلم ! آكما ! تلك المخلوقات الخرافية ، لا يمكن ان يكون
هذا صحيحاً لا بد أنني انام في مكان ما و تراودني كل هذه الاحلام
إبتسمت بسخرية من نفسي و قلت له :
- لا يمكن هذا... أنت كاذب...
ذهلتُ من التحول المفاجىء في ملامحه لقد بدا لي جاداً
الآن .. هل جرحت مشاعره ؟ قال لي مؤكداً كلامه :
- بل هذه هي الحقيقة .. منذ اللحظة التي وافقتِ فيها على العقد
أصبحت أنا - الآكما- خادماً لكِ .. وحتى أنفذ جميع شروط العقد سأبقى كذلك..
بلعتُ ريقي بصعوبة و أنا أحاول ان أحافظ على هدوئي .. لو كان ما أمرُ به
مجرد حلم لما شعرت بكل هذه الأحاسيس الحقيقية جداً .. إن قلبي ينبض
بتوتر و الخوف يتفاقم في نفسي .. حدقت بالآكما الجاثم أمامي وكان لهيب عينيه
يخترقني .. ثم سألته بحذر :
- ما هو العقد الذي تتحدث عنه ؟
- العقد الذي وافقتِ على أن يكون بيننا .. حين عرضتُ عليك المساعدة
و قبلتِ على الفور .
ربما تفوهت بشيء كهذا في لحظة شعوري باليأس فقد كان عقلي مشوشاً
و غير قادر على ربط الأمور بدقة .. زفرت بضيق و قلتُ له :
- هذا غريب .. لم َتعقد إتفاقاً مع البشر لتكون خادماً لهم ؟
رأيت كيف ظهرت إبتسامة إستمتاع على شفتيه وكأن ماقله له
يسبب له كل تلك السعادة .. أجابني موضحاً :
- لأن ذلك كله ... بـــــثمن !
عضضت شفتي في محاولة لكبح خوفي لا أدري كيف تنبأ عقلي بأن
الثمن الذي سيطلبه مني سيكون باهضاً جداً .. وقد يكلفني حياتي .
جاءت كلماته مؤكدة لما دار في رأسي .. إنحنى للأمام وهو ينظر إلي
نظراتٍ متفحصه ثم قال بصوت يحمل مشاعر عجرتُ عن فهمها :
- ستقدمين لي روحكِ ثمناً لخدماتي !
شقتُ بقوة و قد صدمتني كلماته .. حاولت التراجع للخلف ولكنني
شعرت بأنني عاجزة عن الأتيان بأي حركة .. كانت يداي تترجفان
و أستطيع سماع صوت لهاثي .. صرخت فيه بعصبيه :
- أتريد إلتهام روحي ؟ كيف أوافق على شيء كهذا .. ألغي عقدك الآن !
حدقت غاضبة بعينين باردتين قاتمتين ،كانت عيناه تنظران إليّ بسخرية
قاسية أشعرتي بالألم .. كان فيه شيء خطير .
يبدو انني قد أثرت غضب هذا المخلوق لأنه عبس في وجهي
وقال بحدة :
- لا يمكن هذا ... إطلاقاً ، إن العقد بيننا مختوم بالدم و نقضه يعني
أن أحدنا سيواجه مصيراً قاسياً ..
إنتبهت عندما سمعتُ جملته تلك الى ألم كوخز الأبر في أعلى ذراعي اليسرى
نظرتُ إليها فبدا لي ما يشبه بقعه الدم الداكنة فوق ملابسي
مالذي جرحني يا ترى ؟ خلعت معطفي ورفعت كُم قميصي ليتسنى
لي النظر إلى الجرح .. إتسعت عيناي دهشة حين وقعت عيناي
على وشم غريب فوق يدي .. كان على شكل دائرة في منتصفها
نجمة خماسية و حروف للغة لا أعرفها .. من فعل هذا بي ؟
شعرت بإقتراب الآكما فأوجست خيفة لكنني لم آت بأي حركة
جلس بالقرب مني و أمسك بيدي بلطف ثم أخرج قطعة قماش بيضاء
و بدأ بتضميد الجرح .. كان ماهراً جداً وبالكاد شعرتُ بأصابعه الخفيفة
وهي تلف الضمادة حول ذراعي .. نظرت إليه مدهوشة ، بدا عليه وكأنه
قرآ السؤال من نظراتي لذلك أجاب دون أن ينتظر السؤال مني :
- هذه العلامة ترمز للعقد ..
ثم قرب يده اليسرى من فمه و إنترع بهدوء القفاز الأبيض الذي
كان يرتديه بمساعده أسنانه .. رأيت يده ذات الأصابع الطويله و
أظافره المصبوغة باللون الأسود ، ولكن ما شد أنتباهي هو
النقش المرسوم على ظهر يده .. كانت لديه العلامة نفسها !
تنفست ببطىء كان كل شيء ضبابياً من حولي .. كنت أغمض نصف
عيني و أنظر بإتجاه الآكما الذي كان قريباً جداً مني في تلك اللحظة
لم أكن أستطيع رؤية وجهه لذا لم أرَ التعبير الذي إرتسم عليه وهو
يقول لي واعداً :
- سيكون كل شيء على ما يرام ، لا تشغلي بالك يا أوجو-تشان ... أسترخي ..
لم أتمكن من الرد عليه .. أحسست بأن الريش الأسود عاد ليتساقط من حولنا
أغمضت عينيّ ووصل إلي صوته الخافت :
- سأنفذ الآن أولى رغباتك ...
إبتلــــــعت الظلمة كل شيء حولي
