] ثـــــــــــــــروة [
تركتُ القلم يسقط من يدي ثم راقبته وهو يتدحرج فوق
دفتر الحساب نزولاً الى سطح الطاولة الأملس ، تنهدتُ
بضيق حين رأيته يهوي نحو الأسفل ، لم أرد النهوض
لأحضره بل مددتُ قدمي بكل كسل لأسحبه من تحت الطاولة
لامستٌ شيئاً زغباً ناعماً بأطراف أصابعي فإنزلتُ
رأسي على الفور لأجد قطتي شيرو تلهو بقلمي..
إبتسمتُ و أنا أحملها بكلتا يدي و أبتعد عن الطاولة ،
كنتُ أقوم بحل فرض مدرسي ، أكره أن أضطر لفعل ذلك
في يوم عطلتي الأسبوعية ، لم أنتهي بعد منه ولكنني
قمتُ بحل معظم المسائل الحسابية ، لا بأس إذن بتأجيل البقية ..
عبثت أصابعي بجهاز تشغيل الموسيقى الموجود
على مقربة من سريري ، إخترتُ أغنية هادئة لأحدى
الفرق المفضلة لدي ، رفعتُ الصوت قليلاً ثم أستلقيتُ
على السرير، أصغيتُ بإنتباه للإيقاع الجميل و يدي
تداعب شعر شيرو المستلقية بجانبي ، وقعت عيني على
ساعة الجدار ، كانت تشير إلى الثانية والربع ظهراً ، قبل ساعة
غادر سيباستيان الى المركز التجاري ليشتري بعض المستلزمات
الضرورية ، ثم غادر والدي ليصحب زبوناً لمعاينة أحد البيوت
المعروضة للبيع و أخبرني أنه سيتناول غداءه خارجاً .
تركتُ غرفتي ونزلتُ الى غرفة المعيشة فقد داهمتني موجة
مفاجأة من الملل ، لم أستفد كثيراً من تغير مكاني لكنني
قضيتُ بعض الوقت في تصفح الصحيفة و شد إنتباهي
إعلان عن فيلم كنتُ أترقبه ..
سمعتُ صوت محرك سيارة في الخارج ، نهضتُ مسرعة
و نظرتُ من خلال النافذه الكبيرة في غرفة المعيشة
كان سيباستيان و قد عاد كما توقعتُ تماماً ، ولكن ما أدهشني
هو وجود عمال شركة توصيل برفقته ، كانوا يتعاونون
على إدخال شيء ما إلى داخل المنزل ، إرتديتُ حذائي
و خرجتُ مسرعة لأستطلع الأمر ، إبتسم سيباستيان فور
رؤيتي وقال :
- أرجوا ان لا تكون الضجة قد أزعجتكِ ..
أجبته بالنفي ثم سألته بفضول :
- مالذي يفعلونه هنا يا سيباستيان ؟
نظر بإتجاه العمال وأخبرني بسرور :
- طلبتُ منهم إيصال قطع الأثاث الذي سنستخدمه
في الحديقة .
تمكنتُ الآن من رؤية ما كانوا يحملونه ، إثنان منهم
يحملون طاولة خشبية أنيقة نحتت عليها رسومات لبراعم متفتحه
و البقية يحملون الكراسي ، صفق سيباستيان بيده ليشد إنتباههم
ثم قال لهم آمراً :
- ضعوا الطاولة في هذا المكان ..
نفذ العمال ما طلبه منهم و أنزلوا الطاولة على الأرض
وصفوا الكراسي الأربعة حولها في نظام .
إنحنى سيباستيان وهمس في إذني :
- عن إذنكِ للحظات يا أوجو-تشان .
ثم رافق العمال الى الخارج ، أدرتُ وجهي و تأملتُ
التغيير الذي أحدثه إحضار الطاولة الفخمة إلى حديقتنا،
لدينا حديقة جميلة و لكنها مهملة منذ زمن ، تولى
سيباستيان العناية بها وتمكن من إعادة رونقها و الآن
إستطاع إضفاء المزيد من الكمال بإحضاره لقطع الأثاث .
سمعتُ صوته محدثاً :
- هل أعجبتكِ ؟
نظرتُ إليه و أومأت برأسي موافقه ثم تمتمت بخفوت :
- تبدو لي باهضة الثمن ..
رفع يدي بأطراف أصابعه و سحبني نحو الطاولة بهدوء
قال و هو يدفع الكرسي خلفي :
- الطاولة مصنوعة من خشب الصنوبر و هي منحوتة ٌ
يدوياً أما الكراسي الفاخرة فهي وثيرة و مريحة ..
كان محقاً تماماً ، شعرتُ بذلك فور جلوسي عليها
سمعته يكمل حديثه :
- سيكون تناول شاي ما بعد الظهيرة رائعاً
في الحديقة أليس كذلك أوجو-تشان ؟
نظرتُ إليه و قد أصبح يقف أمامي ، قلتُ مبتسمة
نصف إبتسامة :
- بلى .. ولكن ..
سألني وهو يبتسم رداً على إبتسامتي :
- أيمكن أن إختياري لهذا التصميم لم يعجبكِ ؟
أسرعت بالرد عليه :
- كلا إنه رائع ، الحقيقة أنه في غاية الجمال ولكن لم تكن
مضطراً لدفع تكاليف شيء باهض كهذا ..
جلس على ركبته و هو يضع أحدى يديه على صدره بإحترام
أغمض عينيه و قال لي بإصرار :
- إنني لا أملكُ شيئاً يخصني فكل ما لدي هو من حق
سيدتي ، أرجوكِ دعيني أقوم بما أراه مناسباً لتوفير سبل
الرفاهية لكِ ..
قلت بإمتنان :
- سيباستيان ...
نهض مجدداً ثم قال وقد عاد الى سمته المبتهج :
- سأعد لكِ الشاي في الحال ، يجب أن لا نفوت فرصة
تجريب الأثاثِ الجديد ..
ثم دلف إلى داخل المنزل و تركني جالسة فوق الكرسي المريح
أحدق بشرود للسماء الزرقاء الصافية .
إن سيباستيان يمتلك ثروة طائلة ، ولا أبالغ أبداً ان وصفته
بالخادم الثري ، لقد اشترى سيارة فخمة ليقلني بها و إستبدل
الكثير من الأشياء في منزلنا بأخرى جديدة مترفة و هاهو الآن
يأتي بأثاثٍ فخم ليتمكن من تقديم الشاي لي في الهواء الطلق..
سألته مرة عن سر ثروته فأخبرني أنه طوال فترة عمله
لصالح البشر كانوا يقدمون له المال والمكافآت المجزية
ليس لأنه يطلب ذلك بل لأنهم فاحشوا الثراء و يحبون
التباهي و تناسوا انه لا يهتم للمال بقدر إهتمامه بما سيقدمونه
له في النهاية ، وهكذا أصبح المال يتراكم لديه على مر السنين
قال لي أن هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها ما يدخره
وقد شعرتُ بالحرج فأنا أول شخص لا يعطيه المال
بل الحقيقة انه هو من يصرف ماله لإسعادي ، سألته عن
المكان الذي يخبأ فيه ثروته فأدهشني جوابه كثيراً ، قال
لي انه يمتلك حساباً في المصرف و بطاقة إئتمان
ووعدني بأخذي يوماً الى هناك لأرى رصيده بنفسي ..
حقاً ان ذلك الآكما عصري أكثر مني ، انا التي لم
تمتلك في حياتها رصيدا في البنك !
