في الأيام التي تلت ذلك .. إستمرت اقامة مير في مشغل ساسوري

لم تخرج أبداً لكن ذلك لم يضايقها .. كانت مستعدة ان تظل محبوسه

للأبد هناك إن كان ذلك يعني ان تكون بقربه ..

كان يكلفها ببعض المهمات البسيطة .. كترتيب المشغل

و تجهيز المعدات .. كانت تسعد كثيراً بذلك وتنفذ مايطلب منها

دون تذمر ... إعتادت ان تبقى الى جانبه وتراقبه

وهو يعمل في كل يوم و كانت احاديثهما تمد ساعات طوال...

لابد أنه اعتاد على هذا ايضاً...

فمرة إنشغلت مير في غرفتها ولم تذهب اليه في موعدها

المعتاد.. ودهشت حين وجدته غاضباً وقال لها انه يكره

الانتظار ..

وبعد عدة ايام إكتشف ساسوري ان يوكيهيمه اختفت من المقر

لم يعثر على أثر لها في أي مكان .. شعر بالغضب الشديد فهي

زميلته في الفريق و كان يجب ان تخبره .. من جهة اخرى شعر بالإطمئنان

على مير .. وسمح لها بالمغادرة اخيراً .. تقبلت مير تلك الحقيقة بقلب مُثقل

لانها اعتقدت ان فترة بقائها مع ساسوري قد إنتهت ..

لكنها كانت مخطئة .. وكم أسعدها أن تكون مخطئة

وقفت مير امام ساسوري وقالت بهدوء :

- إذن سأغادر الآن ...

نظر ساسوري إليها نظرة لم تستطع فهمها ...

ترى هل لاحظ انزعاجها ؟.. هل رأى تورد خديها ؟..

لم ترد أن تفرض نفسها عليه وتطلب البقاء ..

قالت وهي تبتسم بإرتباك :

- إلى اللقاء

كانت تستعد للمغادرة حين سمعت صوته آمراً :

- عودي إلى هنا قبل المساء

نظرت اليه غير مصدقه بينما أكمل :

- لتقومي بالتجهيز المعتاد ..

وضعت مير يدها على فمها وهي تنظر اليه .. لايزال

راغباً في بقاءها معه .. فقد كانت تجهز له طاولة العمل

كل يوم ليباشر عمله دون تأخير .. شعرت بالسعادة تسري في اوصالها

إنزلقت كلمة من قلبها وراحت تداعب شفتيها لكنها لم ترد ان

تبوح بها ... لا ... لايزال الوقت مبكراً جداً.. حتى لو لم تفعل ذلك

أدركت أن ما تشعر به تجاه ساسوري يكبر في كل يوم .. و لكن لم تكن

واثقه من شعوره تجاهها .. صحيح ان تصرفاته تغيرت كثيراً .. لكن هيدان

تغير معها لكنه بنظرها لا يكن لها أي مشاعر خاصة .. وفكرت بأن ساسوري

يرى ان مابينهما هو صحبة وحسب ...

كانت مير تخرج في كل صباح وتزور الغابة .. لاتزال تتدرب بجد

صحيح انها لم تعد تهتم بالقوة .. لكن كان يجب ان تكون قوية

في عالم كهذا لكي تحمي نفسها .. تعود الى ساسوري

في المساء .. لا تتأخر عليه ابدا .. تنظم الدمى و ترتب حاجياته

وتتجاذب معه اطراف الحديث ...

ذات مساء حين كانا جالسين على طاولة العمل ..

قررت مير أن تقترح على ساسوري اقتراحاً كانت تفكر به منذ ايام..

بدأت قائلة :

- ساسوري دنا ما رأيك ان ترافقني الى الغابة ؟

نظر اليها وقال دون إكتراث :

- هل تريدين ان اساعدك في شيء ؟

هزت رأسها نافيه وقالت :

- ليس الأمر هكذا .. انت لم تخرج منذ مدة وكنت

تعمل بجد في الايام الاخيرة .. لذا فكرت بأنك تحتاج للراحة قليلاً..

إبتسمت له بود فقال :

- يمكنني ان اتوقف عن العمل وارتاح هنا .. ما المميز في الذهاب الى الغابة ؟

جاوبته مير قائلة :

- الأمر مختلف تماماً ... انه فصل الربيع في الخارج، كم تعجز كلماتي

عن وصف جماله هذا العام .. الاشجار اكتست بالخضرة و الارض امتلأت

بالازهار الفواحه .. المنظر خلاب جداً أتمنى ان ترى بعينيك ما شاهدته هناك..

كانت تتكلم بحماسة كبيرة جعلت ساسوري متشوقاً لرؤية

ما كانت تصفه له ..

قال بعد ان اقتنع أخيراً بكلامها :

- لنذهب في الغد

أتسعت إبتسامة مير و غمرها السرور وقالت مؤكدة :

- أجل لنذهب !

أنطلقا الى الغابة في وقت مبكر من صباح اليوم التالي

شعرت مير بالسعادة وهي تسير الى جانب ساسوري ..

أحاطت بهما الازهار الملونة .. و لقد عزفت الطيور

لهما مقطوعة جميلة ترحيباً بوصولهما الى الغابة ..

كان النسيم عليلاً ... إستشعره ساسوري و ظهرت

عليه علامات الرضا .. لقد أعجب بالمكان ..

نقل نظره الى مير التي جلست على الارض تحدق بالزهور ..

لقد فعلت خيراً بإحضاره الى هنا.. كيف استطاعت ان تعرف

ان هذا سيسعده ؟ لم يكن يهتم للطبيعة من قبل ..

اذا لماذا شعر برغبة في مرافقتها .. ألأنها اجادت وصف جمال المكان

أم لأنه اراد ان يكون معها ؟ لماذا بدأ يعتاد على وجود تلك الفتاة معه

لماذا يشعر بالراحة حين يسمع اصوات تدل على وجودها في مشغله

كل شيء بدا غريباً جداً بالنسبة له ... مالذي ايقضته مير في نفسه ؟

لا يعرف الجواب حتى الآن ...

وقفت مير بعد أن داعبت وريقات الازهار بيدها وقالت :

- أتسمح لي بزراعة الازهار على نافذه المشغل ؟

جفل ساسوري حين سمع صوتها لقد سرح قليلاً بأفكاره

أدركت انه لم يسمعها جيداً فأعادت السؤال ..

قال لها ببرود :

- لكنها ستموت...

- لن يحدث ذلك سأعتني بها جيداً ..أنا واثقة انها ستضفي

جواً لطيفاً على المشغل ..

قال لها مجدداً :

- ستموت في الشتاء

لم تتراجع مير عن رأيها فعارضته قائلة :

- غير صحيح الازهار تنام فقط في الشتاء .. لتصحو مجدداً

في الربيع .. ان جزءاً منها يظل مدفوناً في التربة منتظراً ان

تدفئه اشعة الشمس ليزهر ثانيةً ..

- أنتِ عنيدة ...إفعلي ما شئتِ ...

قالها ساسوري مستسلماً وتسائل ان كانت مير قد

وجدت الشي الذي ينام بداخله .. لكن هل سيصحوا يوما ؟

أستمرا في التجول لبعض الوقت وكانت مير تبدي اعجابها

بكل ماتراه بينما بقي ساسوري صامتاً ويوافقها بإيمائة بسيطة..

إحتجبت الشمس فجأة بالغيوم واصبح الجو منذراً بهطول المطر

إختفت اصوات الطيور وإنحنت أعناق الازهار نحو الاسفل ..

رفع ساسوري نظره للسماء ثم قال لمير :

- الافضل ان نعود لأن المطر سيهطل..

إبتسمت مير وقالت :

- لكنني ارغب في مشاهدة المطر ...

تنهد ساسوري و اقترب منها قائلاً :

- ما الفائدة من مراقبه المطر و التبلل بالماء ؟

لم يكد ينهي جملته حتى انهمر المطر فوق رأسيهما بغزارة

نظرت مير باسمه نحو السماء بينما كان ساسوري ينظر

الى ملابسه التي ابتلت في ضجر ...

رفعت مير يديها و نظرت الى قطرات الماء تقفز بسعادة

فوق راحتيها .. ثم إلتفتت ناحية ساسوري .. كان شعره الاحمر

مبللاً تماماً و على وجهه نظرة انزعاج .. كان يبدو ظريفاً جداً

إبتسمت مير لنفسها وهي تبعد خصلات شعرها الداكن

عن وجهها ... ثم قالت :

- لقد أحببت المطر دوماً ...

نظر ساسوري اليها بينما اكملت قائلة :

- أتعرف قصة المطر ساسوري دنا ؟

رفعت نظرها الى السماء الملبدة بالغيوم واكملت :

- لقد كان يعيش هناك في الاعلى .. كانت السماء عالمه..

...كان ساسوري يصغي اليها...

- لكنه أحب يوماً .. لقد وقع في حب الارض حين اطل عليها

من فوق .. صحيح انها كانت جافة وقاسية لكن شيئاً ما

جذبه اليها .. لم يستطع ان يتحمل شوقه للقاءها .. كانت

المسافة بينهما كبيرة جداً .. لكنه لم يفقد الامل ...

سكتت قليلاً وكان ساسوري ينتظر منها ان تكمل

قالت :

- وفي يوم من الايام عصف به الشوق و قرر النزول الى

الارض مهما كان الثمن .. لم تكن الارض تعرف انه يحبها

لكنه سيجعلها تشعر به مهما كانت قساوتها .. لقد هبط

تاركاً مسكنه فوق الغيوم .. تاركاً عالمه في السماء ..

لقد ضحى بكل شيء ليكون بجانب من يحب .. ولم يعد

يتذكر انه كان يوماً جزءاً من الغيمة ...

سكتت مير و أغلقت قبضتها التي امتلأت بالماء فتدفق

من بين اصابعها ...

سألها ساسوري :

- مالذي حدث بعد ذلك ؟

نظرت اليه وقالت في حيرة :

- لا اعرف تماماً ... فبعضه نزل على البحر وضاع فيه

والبعض الآخر تجمد وهو في طريقه الارض فصار اشد

قسوة منها وتحطم فوقها .. اما الجزء الاخير فقد التقى بالارض

و استطاع إنهاء جفافها وقسوتها فقد أدركت مدى حبه

لها و تفجرت مشاعرها نحوه .. لا ادري أي النهايات هي الحقيقية..

لكنني نشأت وانا احب قصة المطر كثيراً...

إقتربت مير من ساسوري ورفعت رأسها تحدق به

وقالت بندم:

- آسفه ان كانت قصتي قد سببت لك الضجر ، واسفه

لانك بقيت معي وتعرضت للبلل ...

نظر الى عيناها اللتان تقلقان بشأنه دوماً وقال بهدوء:

- إن لديكِ فلسفة مثيرة للإهتمام .. أخبريني ماهي

نظرتك للفن ؟

سكتت قليلاً وهي تبحث عن الجواب في عقلها

وحدق بها بصمت منتظراً جوابها

رفعت رأسها إليه مجدداً وقالت متبسمة :

- أضن انه الشي الذي يجعلك تشعر بالسعادة ...

إرتفع حاجباه دهشة .. كانت مير تدهشه دوماً

أكملت تشرح وجهة نظرها :

- ان شعر الآخرون بالسعادة وهم يحدقون بما قمت به

عندها .. عندها ستتأكد انه فن حقيقي ...

لم يعلق ساسوري على وجهة نظرها ولم يعارضها كما

يفعل مع ديدارا ...لأن فكرة مير غريبة جداً ولم تخطر على باله من قبل..

بعد ذلك بدقائق قليلة .. إنقشعت الغيوم وتوقف نزول المطر

و عادت الشمس لتطل مجدداً وخطت بريشتها قوس قزح

في السماء ليكمل اللوحة رائعة الالوان ...

انتظرا لبعض الوقت حتى جفت ملابسهما ثم عادا ادراجهما

بإتجاه المقر ...

قبل ان يصلا الى البوابة توقفت مير بعد ان سمعت صوتاً

يناديها بإسمها .. رفعت رأسها لان الصوت قادم من الاعلى

وفوجئت برؤية طائر عملاق ابيض اللون يستعد للهبوط..

و عرفت أنه لديدارا حين شاهدته جالساً على ظهره ...

دهش ساسوري لقدومه ايضاً .. نزل ديدارا من فوق الطائر

وجرى مسرعاً ناحية مير وقال لاهثاً :

- كيف استطعتِ الوصول الى هنا ! لماذا لم تخبريني وقتها ؟؟

نظرت مير اليه متسائله وقالت :

- ألم يخبرك هيدان انه كان برفقتي ؟

ضرب ديدارا قبضته براحة يده وقال :

- لم أره بعد مغادرتكِ ابداً !

سكتت مير لبرهه ثم عادت لتقول :

- اهلا بعودتك يا ديدارا ...

قال ديدارا بإنفعال :

- لكنني لم اعد ألا لآخذك معي ! لقد كنت في موقف محرج

حين اتى السيد زتسو ولم يجدك هناك .. كان علي اختلاق الاعذار

لأهدأ من حده غضبه ... سيلقي الزعيم اللوم علي بلا شك همم

ذكرها كلامه ما نسيته في الايام السابقة .. لقد طلب الزعيم

رؤيتها ...كان عليها انتظار زتسو ... كيف تبخر الامر من ذاكرتها

لقد انستها الفترة التي قضتها برفقه ساسوري كل شي ...

شد ديدارا يد مير بقوة وسحبها خلفه قائلاً :

- لا يجب ان نضيع مزيداً من الوقت هيا بنا

كانت مير ستمشي وراءه لكنها توقفت فجأة حين

إمتدت يد ساسوري لتحررها من قبضة ديدارا

أمسك بيدها ووقف امامها مباشرة محدثاً ديدارا :

- اخبرني مالذي يحدث هنا ؟؟

- ساسوري نو دنا ان الزعيم يرغب في لقاء مير

لذا لا تتدخل ودعني اقوم بمهمتي ...

إلتفت ساسوري للخلف ونظر الى مير وسألها :

- اهذا صحيح ؟

حركت رأسها بإيجاب وقالت بحزن :

- لقد نسيت الأمر تماما ً... سيتعرض ديدارا للوم بسببي...

شد ساسوري على يده التي تمسك بها ومشى للأمام

فلحقت به في حيره ... ثم قال :

- لن يحدث هذا لأنني سأخبر الزعيم انكِ كنتِ برفقتي

- ساسوري دنا ...

صعد فوق ظهر الطائر الطيني وساعد مير على الصعود ايضاً

ثم قال لديدارا آمراً :

- مالذي تنتظره؟ هيا اصعد ونفذ مهمتك

حدق به ديدارا مصدوماً لبعض الوقت .. ثم لحق بهما صاعداً

على ظهر الطائر العملاق .. و حلقوا معاً بإتجاه قرية المطر ...

end of chapter 29